حبيب الله الهاشمي الخوئي
16
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
دفعا للشرّ القوىّ بالشرّ الضعيف وتلافيا للضرر الأعظم بتحمل الضرر الأيسر . وأراد أن يحكَّم من جهته عبد اللَّه بن العبّاس رحمة اللَّه عليه فأبوا عليه ولجّوا كما لجّوا في أصل التحكيم وقالوا : لا بدّ من يمانيّ مع مصرىّ فقال عليه السّلام : فضمّوا الأشتر وهو يماني إلى عمرو فقال الأشعث بن قيس : الأشتر هو الَّذى طرحنا فيما نحن فيه واختاروا أبا موسى مقترحين له عليه عليه السّلام ملزمين له تحكيمه فحكَّمهما بشرط أن يحكما بكتاب اللَّه تعالى ولا يتجاوزاه وانهما متى تعدّياه فلا حكم لهما وهذا غاية التحرز ونهاية التيقظ لأنا نعلم أنهما لو حكما بما في الكتاب لأصابا الحق وعلما أن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسّلام أولى بالأمر وأنّه لاحظَّ لمعاوية وذويه في شيء منه ، ولمّا عدلا إلى طلب الدّنيا ومكر أحدهما بصاحبه ونبذا الكتاب وحكمه وراء ظهورهما خرجا من التحكيم وبطل قولهما وحكمهما وهذا بعينه موجود في كلام أمير المؤمنين عليه السّلام لمّا ناظر الخوارج واحتجّوا عليه في التحكيم وكلّ ما ذكرناه في هذا الفصل من ذكر الأعذار في التحكيم والوجوه المحسنة له مأخوذ من كلامه عليه السّلام وقد روى عنه عليه السّلام مفصّلا مشروحا . « الجواب عن الشبهة الثانية » فأمّا تحكيمهما مع علمه بفسقهما فلا سؤال فيه إذ كنّا قد بينا أن الاكراه وقع على أصل الاختيار وفرعه وأنه عليه السّلام الجيء إليه جملة ثمّ إلى تفصيله ولو خلَّي عليه السّلام واختياره ما أجاب إلى التحكيم أصلا ولا رفع السيف ( السيوف - خ ل ) عن أعناق القوم لكنّه أجاب اليه ملجئا كما أجاب إلى من اختاره وبعينه كذلك وقد صرّح عليه السّلام بذلك في كلامه حيث يقول : لقد أمسيت أميرا وأصبحت مأمورا وكنت أمس ناهيا وأصبحت اليوم منهيّا وكيف يكون التحكيم منه عليه السّلام دالَّا على الشك وهو عليه السّلام ناه عنه وغير راض به ومصرّح بما فيه من الخديعة وإنّما يدلّ ذلك على شكّ من حمله عليه وقاده اليه . وإنّما يقال : إنّ التحكيم يدلّ على الشك إذا كنّا لا نعرف سببه والحامل عليه أو كان لا وجه له إلَّا ما يقتضي الشك ، فأمّا إذا كنا قد عرفنا ما اقتضاه وادخل